عبد الله بن أحمد النسفي
308
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) فوضعه على يده ثم نقره فطنّ ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام « 1 » أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وأنكم ألقيتموه في غيابة الجبّ وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس ، أو يتعلق وهم لا يشعرون بأوحينا ، أي آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة وهم لا يشعرون ذلك . 16 - وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً للاستتار والتجسّر على الاعتذار يَبْكُونَ حال ، عن الأعمش : لا تصدّق باكية بعد إخوة يوسف ، فلما سمع صوتهم فزع وقال ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فما بالكم وأين يوسف ؟ 17 - قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي نتسابق في العدو أو في الرمي ، والافتعال والتفاعل يشتركان كالارتماء والترامي وغير ذلك وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بمصدق لنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف ، فكيف وأنت سيئ الظنّ بنا غير واثق بقولنا . 18 - وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ذي كذب ، أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته ، روي أنهم ذبحوا سخلة « 2 » ولطخوا القميص بدمها ، وزلّ عنهم أن يمزقوه ، وروي أنّ يعقوب عليه السّلام لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال : أين القميص ؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضّب وجهه بدم القميص ، وقال : تاللّه ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزّق عليه قميصه ، وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات : كان دليلا ليعقوب على كذبهم ، وألقاه على وجهه فارتدّ بصيرا ، ودليلا على براءة يوسف حين قدّ من دبر « 3 » ، ومحلّ على قميصه النصب على الظرف ، كأنه قيل وجاءوا فوق قميصه بدم قالَ يعقوب عليه السّلام بَلْ سَوَّلَتْ زيّنت أو سهّلت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً عظيما ارتكبتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر أو مبتدأ لكونه موصوفا ، أي
--> ( 1 ) الجام : إناء من فضة ( القاموس 4 / 92 ) . ( 2 ) السّخلة : ولد الشاة ( القاموس 3 / 395 ) . ( 3 ) في ( ز ) دبره .